ابن قيم الجوزية
314
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
أعظم من نعمته فيما بسط لي منها . إني رأيته أعطاها قوما فاغتروا » : إذا عمّ بالسرّاء أعقب شكرها * وإن مسّ بالضرّاء أعقبها الأجر وما منهما إلا له فيه نعمة * تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر فإن قلت : فهل يشهد منّته فيما لحقه من المعصية والذنب ؟ قلت : نعم . إذا اقترن بها التوبة النصوح ، والحسنات الماحية ، كانت من أعظم المنن عليه . كما تقدم تقريره . سماع الخاصة قال : « وسماع الخاصة : ثلاثة أشياء : شهود المقصود في كل رمز . والوقوف على الغاية في كل حين . والخلاص من التلذذ بالتفرق » . والمقصود في كل رمز : هو الرب تبارك وتعالى . فإن المسموع كله يعرّف به وبصفاته وأسمائه ، وأفعاله وأحكامه ، ووعده ووعيده ، وأمره ونهيه ، وعدله وفضله . وهذا الشهود ينال بالسماع باللّه وللّه وفي اللّه ومن اللّه . أما السماع به : فأن لا يسمع وفيه بقية من نفسه . فإن كانت فيه بقية قطعها كمال تعلقه بالمسموع ، فيكون سماعه بقيوميته مجردا من التفاته إلى نفسه . وأما السماع له : فأن يجرد النفس في السماع من كل إرادة تزاحم مراد اللّه منه ، وتجمع قوى سمعه على تحصيل مراد اللّه من المسموع . وأما السماع فيه : فشأن آخر ، وهو تجريد ما لا يليق نسبته إلى الحق من وصف ، أو سمة أو نعت ، أو فعل ، مما هو لائق بكماله . فيثبت له ما يليق بكماله من المسموع ، وينزهه عما لا يليق به . وهذا الموضع لم يتخلص فيه إلا الراسخون في العلم والمعرفة باللّه . وأضل اللّه عنه أهل التحريف والتعطيل ، والتشبيه والتمثيل ، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : 213 ] . وأما السماع منه : فإنما يتصور بواسطة . فهو سماع مقيد . وأما المطلق فلا مطمع فيه في عالم الفناء ، إلا لمن اختصه اللّه برسالاته وبكلامه . ولكن السماع لكلامه كالسماع منه . فإنه كلامه الذي تكلم به حقا . فمن سمعه فليقدر نفسه كأنه يسمعه من اللّه . هذا هو السماع من اللّه . لا سماع أرباب الخيال ، ودعوى المحال ، القائل أحدهم : ناداني في سري ، وخاطبني ، وقال لي . يا ليت شعري من المنادي لك ؟ ومن المخاطب ، يا مخدوع يا مغرور ؟ فما يدريك : أنداء شيطاني ، أم رحماني ؟ وما البرهان على أن المخاطب لك هو الرحمن ؟ نعم نحن لا ننكر النداء والخطاب والحديث ، وإنما الشأن في المنادى المخاطب المحدّث . فهاهنا تسكب العبرات .